ابن الجوزي
303
صيد الخاطر
التصوير مغلصما للهوى مجرئا للنفس ، فإذا أنفت أنفت من الأسف على الدوام ما لا يحويه صفة فهي تغر الغمر « 1 » وتهدم العمر ، وتديم الأسى . ومع هذا فالمنهوم كلما عدى عن لذة طلب أختها . وقد عرف جناية الأولى وخيانتها . وهذا مرض العقل ، وداء الطبع . فلا يزال صاحبه هذا كذلك إلى أن يختطف بالموت فيلقى على بساط ندم لا يستدرك . فالعجب ممن همته هكذا مع قصر العمر ، ثم لا يهتم بآخرته التي لذتها سليمة من شامت ، منزهة عن عائب دائمة إلى الأمد ، باقية ببقاء الأبد . وانما يحصل تقريب هذه بابعاد تلك ، وعمران هذه بتخريب تلك . فوا عجبا لعاقل حصيف حسن التدبير ، فاته النظر في هذه الأحوال ، وغفل عن التمييز بين هذين الأمرين . وان كانت اللذة معصية انضم إلى ما ذكرناه عار الدنيا ، والفضيحة بين الخلق ، وعقوبة الحدود ، وعقاب الآخرة ، وغضب الحق سبحانه . باللّه ان المباحات تشغل عن تحصيل الفضائل فذم ذلك لبيان الحزم ، فكيف بالمحرمات التي هي غاية الرذائل ؟ نسأل اللّه عز وجل يقظة تحركنا إلى منافعنا ، وتزعجنا عن خوادعنا انه قريب . 258 - التراخي والكسل بعد اليقظة بسماع المواعظ وأسبابه تأملت على الخلق « 2 » وإذا هم حالة عجيبة يكاد يقطع معها بفساد العقل . وذلك ان الانسان يسمع المواعظ وتذكر له الآخرة فيعلم صدق القائل ، فيبكي وينزعج على تفريطه ، ويعزم على الاستدراك ، ثم يتراخى عمله بمقتضى ما عزم عليه . فإذا قيل له : أتشك فيما وعدت به ؟ قال : لا واللّه . فيقال له : فاعمل . فينوي ذلك ثم يتوقف عن العمل . وربما مال إلى لذة محرمة ، وهو يعلم النهي عنها . ومن هذا الجنس تأخر الثلاثة الذين خلّفوا ولم يكن لهم عذر وهم يعلمون قبح التأخر . وكذلك كل عاص ومفرط .
--> ( 1 ) الجاهل . ( 2 ) يريد : تأملت الخلق .